حوار علمي شامل حول مختلف قضايا الإعلام والاتصال والعولمة والتنمية،
مع الخبير المغربي المتخصص في علوم الإعلام والتواصل
الدكتور يحيى اليحياوي[1]
حاوره: د. التجاني بولعوالي
|
مقدمة إن كل من يجيل النظر في الفكر الإسلامي والعربي المعاصر، يدرك أن ذويه من المثقفين والمنظرين والمفكرين قد أولوا اهتماما لكل قضاياه وحيثياته ومستجداته، فألموا بكل كبيرة منه وصغيرة، فتنوعت بذلك حقوله، وامتدت مجالاته، وتكاثرت تخصصاته، من دين وفلسفة وسياسة واجتماع ونفس وفنون وتراث وإعلام... وغير ذلك، فبرزت في سمائه أسماء عديدة، كلما ذكر اسم منها، إلا وأحال على الحقل المعرفي الذي يهتم به. وهذا نفسه ما يسري كذلك على حقل الإعلام، الذي رغم نعومة أظفاره فإنه حقق في زمن قياسي حضورا معتبرا، فخلق حيزا له في مختلف الجامعات والمؤسسات والأندية والمنابر، فظهرت أقلام عديدة تنظر له، وتعالت أصوات كثيرة تدعو إليه، غير أنه قلما نصادف في فضاء الإعلام العربي والإسلامي أسماء جادة وملتزمة، إذا ما تم استثناء زمرة من الباحثين الأكاديميين والأساتذة الجامعيين، ومرد ذلك إلى عاملين: أولهما: أن الكثرة الكثيرة من الإعلاميين والصحافيين في العالم العربي ولجوا عالم الإعلام من باب الهواية والتجريب، لا من باب الدراسة والتحصيل والاحتراف، فرغم أن أغلبهم يتوفر فيه شرط الموهبة، إلا أنه يظل في حاجة إلى الصقل والتشذيب والتوجيه عن طريق الدراسة والبحث النظري والميداني، وقد تنبه إلى ذلك الكثير من الإعلاميين الذين شرعوا في دراسة علوم الإعلام والصحافة والاتصال، رغم كبر سن البعض منهم، وقلة موارد بعضهم الآخر. ثانيهما: أن ثمة العديد من الإعلاميين والباحثين العرب، الذين وظفوا الإعلام توظيفا أيديولوجيا، حيث امتطوا صهوة الإعلام لتحقيق مصالحهم الذاتية وأمجادهم الشخصية، فتارة خدموا بإسهاماتهم الإعلامية بعض الأنظمة العربية والإسلامية الفاسدة، وتارة أخرى تعاونوا مع قوى أجنبية معادية للإسلام والمسلمين، فنشروا أفكارا فاسدة تروج للغزو الفكري والعسكري الغربي المتأمرك والمتصهين. وعندما نتأمل خارطة الإعلام العربي والإسلامي، التي اختلط فيها الحابل بالنابل، نجد أن الكثير من الإسهامات الإعلامية والصحافية، على أهميتها الثقافية والتراكمية، تفتقد إلى عناصر المصداقية والموضوعية والعلمية، لأن أغلبها استوحي سواء من الصراعات الخارجية؛ بين الذات والآخر، أم من الصراعات الداخلية، التي تتسربل إما بلبوس ما هو إثني، أو ديني، أو أيديولوجي، أو غيرها. لذلك صارت الهيمنة في عالم الإعلام العربي والإسلامي للإسهامات اللا علمية، التي عادة ما تكون مسكونة بهاجس العرقية أو الطائفية أو الإيديولوجيا... بيد أن هذا لا يعني غيابا تاما للإعلام الجاد والمتوازن، الذي يحضر في محافل خاصة به، كالجامعات والجرائد المتخصصة والمجلات المحكمة والمؤلفات العلمية والدراسات الأكاديمية والبرامج التعليمية والندوات والمؤتمرات، ونحو ذلك. ويمكن إدراج إسهامات الدكتور يحيى اليحياوي في نطاق الاهتمام الإعلامي الجاد والملتزم، فهو من جهة أولى يقدم إنجازا علميا متوازنا، يستجيب لشروط البحث العلمي الجاد، من موضوعية ومصداقية وحياد وتخطيط وموازنة وتوقع وغير ذلك، ومن جهة أخرى يلتزم بالذود عن قضايا الإنسان المستضعف من قبل القوى الظالمة، سواء أكانت محلية، أم كونية، وأهم هذه القضايا: حرية الرأي والتعبير، اقتسام الثروات الوطنية، الحق في التمدرس، الحفاظ على الهوية الأصلية، وما إلى ذلك من الحقوق الثقافية والمدنية. لذلك، فإن المطلع على كتابات الدكتور اليحياوي، التي محورها الإعلام في علاقته مع مختلف القضايا والمعارف الإنسانية، يدرك أنه حقا خبير في ميدانه، ومتميز في أفكاره، وثاقب في رؤاه، وموسوعي في اهتمامه، عندما يتحدث عن الإعلام أو الاتصال، يستحضر السياسي والتاريخي والفلسفي والاجتماعي والاقتصادي والمعلومياتي، وغير ذلك من الحقول المعرفية المتنوعة. مما يمنح إسهاماته طابع الشمولية، حيث اطلاعه لا يبقى حبيس ما هو إعلامي، بقدر ما ينطلق إلى مختلف المعارف والفنون والعلوم، التي يستفيد منها ويطوعها لخدمة فهمه وتناوله لقضايا الإعلام ومسائله. هكذا اخترنا أن يكون الدكتور اليحياوي حاضرا معنا في العدد الافتتاحي من مجلتنا العلمية هذه، بهذا الحوار الشامل والمفيد، الذي إن دل على شيء، فإنه يدل على تمكنه العميق بالقضايا التي يهتم بها، وخبرته النادرة في مجالات الإعلام والاتصال والتواصل، التي من شأنها أن تغني المكتبة العربية والعالمية، وتفيد الطالب والباحث والأستاذ، وتزرع الوعي لدى عموم الناس. السؤال الأول: شهد مجال الإعلام تحولات عظمى، ساهمت فيها العديد من العوامل الداخلية والخارجية، التي يأتي على رأسها عامل الانفتاح الواسع، على ما وصل إليه الغرب المتقدم في مختلف المعارف والعلوم والتقنيات والمفاهيم وغيرها، مما ترتب عن ذلك، فيما يتعلق بنقل وتداول المعرفة الإنسانية عامة، والإعلامية خاصة، نوع من الخلط والإبهام في تحديد مفاهيم بعض المصطلحات الجوهرية في استيعاب شتى القضايا العلمية والفكرية والواقعية. وما دام أن سياق حديثنا يرتبط بما هو إعلامي، نود منكم، أستاذنا د. يحيى اليحياوي، توضيح بعض المصطلحات الإعلامية، التي يختلف الدارسون العرب والمسلمون في توظيفها، إما حسب السياق العام الذي ينتظمون فيه، مشرقيا كان أو مغربيا، وإما حسب المدارس الغربية التي تلقوا منها معارفهم وتكويناتهم العلمية، فرنكفونية كانت أو أنجلو- ساكسونية أو غيرهما، وأهم هذه المصطلحات هي: الإعلام، الاتصال والتواصل. د.يحيى اليحياوي: المصطلحات والمفاهيم والبراديغمات والنظريات غالبا ما تكون نتاجا ومحصلة للبيئة التي يعمل بها الباحث, أو تعتمل أفكاره من بين ظهرانيها, ولا يتوسع مجالها ومجال فعلها وتأثيرها وشيوعها, إلا بقدر دقتها وقدرتها على ملامسة الموضوع أو الظاهرة, مادة البحث والدراسة. جانب المرجعية هنا أساسي, ليس فقط لأنه يرهن رؤية الباحث ويؤطرها, ولكن أيضا لأنه يضع فرضيات وتحليلات واستناجات هذا الأخير, في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي, ويمنح نتائجه سبل التجذر والتكريس, أو يرفع عنها القوة التفسيرية والتحليلية في مكان ما وزمن ما. بالتالي, فليس صحيحا بالمرة القول بأن هذا المفهوم أو النظرية متجاوزان أو لم يعودا صالحين لمقاربة هذه الظاهرة أو تلك, لأنهما بالأصل تعبيران عن واقع قد يطول مداه فيلازمانه, أو قد تتراجع عناصره, فتتراجع قدرة الأدوات المستعملة على مجاراته, وهكذا. بمعنى أن المفهوم أو النظرية يصممان بالغالب الأعم لضبط واقع حال, وكلما تطور هذا الأخير أو تحول, تتراجع قدرة المفهوم والنظرية على ضبطه, فتتأثر بذلك قابليتها على المواكبة. كل هذا يفسر إما تجاوز النظرية للزمن, وإما تراجع قدرتها على الاستمرار. إذا كان هذا صحيحا بالطرح العام, فإنه يصح بالحالات الخاصة أيضا, أي الحالات التي تحاول المفاهيم والنظريات مقاربتها, ضمن زاوية أضيق من المجتمع أو الثقافة أو السياسة أو الفن أو الأدب أو ما سواها. وهو أمر يصدق على ميدان الإعلام والتواصل والاتصال أيضا. بالميدان الأخير, ميدان الإعلام والتواصل والاتصال, لا يبدو لي أن الاختلاف يطاول المضمون والفلسفة, بقدر ما يطاول مستويات التوظيف والتوطين, أي قدرة المرء على أخذ سياق استنبات هذه المفاهيم بعين الاعتبار, والنظر في مدى إمكانية تبيئتها وموطنتها, شكلا وعلى مستوى المضمون. الإعلام والاتصال والتواصل يحيلان على معين واحد, معين إنتاج المعلومة (بكل أشكالها, المكتوب والمرئي والمسموع والألكتروني) ومعالجتها واستغلالها وتخزينها واسترجاعها وتوزيعها ثم استهلاكها, من لدن الأفراد والجماعات استهلاكا نهائيا, أو بغرض إدماجها بمسلسلات إعادة إنتاج القيمة. الاختلاف بين العناصر الثلاثة لا يطاول الوظيفة, بقدر ما يطاول الأدوار. الاتصال ذو بعد إلى حد ما تقني, يحيل على الحوامل والأعتدة والتجهيزات التحتية, التي لا انتقال للمعلومة بدون توفرها, ولا سبل لإقامة تواصل بين طرفين بغيابها, أو بتردي مستواها. والإعلام كوسيلة إخبار, عمودية كانت أم أفقية, لا يمكن أن يتم إلا بتوفر أدوات الاتصال, وتوفر القابلية على التواصل, وهكذا. بالتالي, فإذا كان جانب الاتصال يحيل على الجانب الأدواتي الصرف, فإن الإعلام والتواصل يتغيان امتطاء ناصية هذا الجانب, لتمرير المعلومة بكل أشكالها وأصنافها, وأيا ما تكون طبيعتها ووظيفتها والغاية المرجوة من نقلها وتبادلها. من هنا, فأنا أزعم أن الاختلاف بين المستويات الثلاثة, هو اختلاف في المقاربة المعتمدة بالبناء على ذوات المستويات, وليس اختلافا في جوهر كل مستوى, أو مضمون كل مفهوم من هذه المفاهيم. والدليل على ذلك أن حاجة الإنسان للإعلام والاتصال والتواصل لا تتغير, في حين تتغير الأدوات والوسائل, وتتباين المقاربات بين من يريد أن يقدم هذا الجانب أو يؤخر ذاك. لا أتصور, بالبناء على ما سبق, أن المدارس الكبرى التي تناولت هذه القضايا, تختلف حول طبيعة الرسالة, بقدر اختلافها حول وظيفتها ودورها, أو مدى تركيز هذه المدرسة أو تلك على هذا الجانب عوض ذاك. فعندما يعمد ماكلوهان مثلا إلى جعل الأداة متماهية مع الرسالة, فهو لا يطعن في مضمون الرسالة, لكنه يركز اهتمامه على الحامل لذات الرسالة, بصرف النظر عن تأثيره في مضمونها أم لا. وقد نقيس على ذلك باستحضار أكثر من مدرسة بفرنسا وبأمريكا وبغيرها. على هذا الأساس, يبدو لي أن التباين عندنا بالوطن العربي, هو تباين في زاوية الرؤية, وفي المقاربة, وليس تباينا حول طبيعة الرسالة الإعلامية والاتصالية. صحيح أن خلفية التكوين تبقى مهيمنة, لكن المحصلة قد لا تختلف كثيرا بين من تلقى تكوينه من الباحثين بفرنسا أو بأمريكا الشمالية أو بما سواهما. قد لا يكون ذلك مثار إشكال كبير, لكن المشكل كامن في مدى القدرة على استيعاب هذه المفاهيم, ومحاولة استقراء واقع الحال من بين ظهرانينا, دونما تجاوز أو لي لعنق المفاهيم والنظريات. بمعنى, هل إعمال هذه المفاهيم والنظريات قادر وذو نجاعة كافية لاستقراء واقع الحال لدينا, أم لا يعدو الأمر كونه تمارين ذهنية, لا عبرة كبيرة منها, على مستوى التراكم المنهجي والبحثي. أخشى أن أقول بأن عدم بروز مدرسة عربية بهذا الجانب, يعطي الانطباع المحيل على القناعة, بأن ما تم تراكمه لا يخرج كثيرا عن نطاق التمارين. مرة أخرى أقول: إن كل مصطلح ومفهوم ونظرية هم أبناء بيئتهم ومحيطهم, مدى شيوعهم مرتبط بمدى دقة اقترابهم من الظاهرة مادة التحليل, وإن إعمالهم ببيئات أخرى ليس دائما مضمون النتائج والعواقب. ومع ذلك, فالمفروض الاستئناس بهم, بأفق بناء منظومة مفاهيمية ونظرية ذاتية, أعني مستنبتة من واقع الحال المعاش والسائد. السؤال الثاني: يعتبر مفهوم التنمية من أهم المفاهيم الجديدة، التي أصبحت أكثر شيوعا وتداولا في الفكر العالمي المعاصر، فصار يحضر بكثافة في تنظيرات وأنشطة مختلف المكونات الاجتماعية والفعاليات الثقافية والتيارات السياسية والتوجهات الاقتصادية، كل يستخدمه من منطلقاته الذاتية والأيديولوجية والفكرية، وهو مسكون بهاجس تحقيق التقدم والرفاه للمجتمع الذي يندرج فيه، وقد نتجت عن ذلك مفارقات عجيبة، يمكن تحديدها في ثلاث: · رغم أن مفهوم التنمية يظل لغويا واصطلاحيا ثابتا، إلا أنه توظيفيا يكتسي أبعادا مغايرة لمفهومه الأصلي، تلتبس بما هو أيديولوجي وسياسي ودعائي. · ثم إن أغلب من يوظف هذا المفهوم يغيب، بشكل أو بآخر، جانبه الأساس الذي يتحدد في خدمة وإنماء المجتمع والإنسان، ليصبح مفهوم التنمية مجرد شعار مرحلي يرفعه كل من هب ودب من السياسيين والإعلاميين والمثقفين! · كما أنه تزايد، بحدة، الاهتمام بمسألة تنمية المجتمعات من قبل مختلف المكونات السياسية والإعلامية والثقافية والأكاديمية، وهو اهتمام كان يتوقع منه أن تتغير حالة المواطن العادي إلى ما هو أحسن، ويشهد المجتمع ازدهارا مرضيا، غير أنه حصل عكس المتوقع، حيث كلما تصاعد الحديث عن التنمية في العالم العربي والإسلامي، كلما تصاعدت وتيرة التخلف والتردي والتهميش! أستاذنا الفاضل، د. يحيى اليحياوي، ما هي قراءتكم لهذه المفارقات العجيبة في علاقتها بمسألة التنمية في العالم العربي وشمال أفريقيا؟ د.يحيى اليحياوي: التنمية, بمعظم النظريات المتوفرة وبملاحظة واقع الحال أيضا, ليست هي النمو, ولا كانت يوما تقاس بمدى انتفاخ الناتج الداخلي الخام, أو أحجام الصادرات, أو نصيب هذا القطاع الإنتاجي أو ذاك من ذات الناتج. صحيح أن النمو مطلوب, وهو مدخل ضروري للتنمية, لكنه غير كاف, إذا لم ينعكس ذاك النمو على مستوى حياة الأفراد والجماعات, في معاشهم اليومي, في تحسن ظروف تطبيبهم, في مدى الاطمئنان على مستقبلهم, في منسوب الحرية التي تعتمل من بين ظهرانيهم, في تمدد نسب بقائهم أحياء وبصحة جيدة, وهكذا. التنمية عملية نوعية, على النقيض من النمو الذي يقيس التحول الكمي العام. بالتالي, فهي تعبير عن منسوب التحول والتحسن على مستوى البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية وما سوى ذلك. إذا لم يسر النمو ببنيان المجتمع وتستفيد منه كل الشرائح الاجتماعية, فإنه لا يتحول إلى تنمية, ويبقى محصور المفعول على فئات محددة, أو مناطق جغرافية محددة. النمو عنصر أساسي لبلوغ التنمية, لكنه غير كاف, إذا لم يصاحب بسياسات موازية وملازمة له, توزع الخيرات المادية واللامادية على كل شرائح المجتمع, كل وفق إسهامه في العملية الإنتاجية واحتياجاته. التنمية عملية تشاركية بالزمن والمكان, وهي عملية جماعية, لا يمكن تجنيد الجماهير لإدراكها, إلا إذا كانت لهم مصلحة مباشرة في ذلك, وإلا انتابهم الكسل والإحباط, وتبرموا عن العملية جملة وتفصيلا. ثم هي تفترض توفر رؤية, تكون قادرة على تصميم نموذج في التنمية, يراعي الحاجيات, ويأخذ محدودية الموارد بعين الاعتبار, ثم يعمد لتقييم الحوصلة بانتظام بأفق التقويم. أتصور أن هذه القضايا أضحت من المسلمات, ولم يعد ثمة حاجة كبيرة لتكرارها ومعاودة التأكيد عليها, وآخر من أكد عليها بدقة الاقتصادي الهندي أمارتيا صان, عندما اعتبر "التنمية حرية". بالعالم العربي/الإسلامي, وباستثناء بعض الدول الفقيرة, يبدو لي أن العديد من الدول نجحت في إدراك مستويات لا بأس بها من النمو, إما بحكم توافر مداخيل ضخمة من النفط, أو بفضل مواردها الأولية الموجهة للتصدير, أو نتاج تخصصها في قطاعات محددة, كما الحال مع قطاعي النسيج والجلد, وبعض الصناعات البتروكيماوية ومشتقاتها المختلفة وغيرها. لكن ذلك لم ينعكس بالمستوى المطلوب على مستوى عيش الجماهير, ولا أسهم في حل قضاياها النوعية الكبرى, من تمدرس وتطبيب وتزايد منسوب البقاء على قيد الحياة وما سوى ذلك. التنمية هنا بقيت نموا, ولم تطاول نوعية حياة الناس. الإشكال, بكل الحالات, إشكال عدم توفر رؤية قائدة, من شأنها تأطير نموذج واستراتيجية في التنمية, شمولية وشاملة لكل الطبقات والجهات والمناطق. يضيق المجال هنا للتفصيل في الأسباب والخلفيات, وما ترتب عن كل ذلك من نتائج وتداعيات. لكن الثابت أن تدهور واقع حال الناس ازداد, وحالة المرافق العمومية تدهورت, ونسب الإحباط ارتفعت, وضاقت الجماهير درعا من واقعها, وتزايد لديها منسوب الخوف من المستقبل. قد لا يكون الأمر مدعاة تشاؤم مبالغ فيه, أو مادة لتلويك منطوق اليأس, لكن حصيلة عقود من الاستقلالات الشكلية الزائفة, لم تفرز إلا تعميقا للتخلف وتجذيرا لليأس, لدرجة بات أكثر من شعب يحن لعهود الاستعمار والحماية... على الأقل, يقول هؤلاء, لم يكونوا حينذاك عرضة "للبهدلة" التي هم مكمنها منذ مدة. هذا لوحده كاف لتوصيف حال ومآل ما وصلنا إليه. السؤال الثالث: ثم كيف تفهمون العلاقة القائمة بين مفهومي التنمية والإعلام، هل هي جدلية أم تكاملية؟ لا سيما وأنه قد نشأ مؤخرا في نطاق الدراسات الإعلامية الأكاديمية تخصص الإعلام التنموي، فما المقصود، إذن بهذا الإعلام؟ د.يحيى اليحياوي: العلاقة بين التنمية والإعلام, علاقة ثابتة بالدراسات الأكاديمية الكمية, سواء تعلق الأمر بالحوامل أو بالمحتويات. فكلما كانت الأعتدة متوفرة, والشبكات منتشرة, وسبل البلوغ للمعلومات والمعطيات والبيانات مضمونة, كلما ضمن ذلك سريانا لها بين مستويات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك, وكلما كانت القيمة المضافة المتأتية من ذلك, معتبرة. هذا الاستنتاج تمت نمذجته منذ عقود, بالنسبة لشبكات الاتصالات, والإذاعة والتلفزة وبالسنين الأخيرة بالنسبة للشبكات الإلكترونية وما سواها, ناهيك عن المجالات الأخرى كالنشر, والتوزيع والطبع, فيما يتعلق بسوق الكتاب والأقراص والموسوعات, وقس على ذلك. العلاقة تكاملية بكل المقاييس, فلا تنمية بدون وسائل إعلام تضمن سريانا سليما للمعلومات, ولا إعلام بغياب تنمية حقيقة, يكون رافدا لها ضمن باقي الروافد. الإعلام هنا هو بنى تحتية, ومضامين بالآن ذاته. من جهة أخرى, أزعم أن العنصرين معا, التنمية كما الإعلام, يستوجبان, مستوى معينا من الحرية, ومنسوبا محددا من التشاركية في الزمن والمكان. بالتالي, فلا تنمية ولا إعلام بدون ديموقراطية, تضمن للغالبية من الناس الإسهام في صناعة القرار, بالفعل المباشر, وبالكلمة من خلال وسائل الإعلام. من هذه الزاوية, فأنا لست مؤمنا بالتقسيمات التي غالبا ما يضعها البعض, للتأشير على وجود نوع من الإعلام ذي طبيعة تنموية, وآخر ذي طبيعة إخبارية وما سواها. الإعلام بالمحصلة تنمية, يواكبها, يزكيها, يجند لها الكفاءات والموارد ويحذر من الانزلاقات. بالآن ذاته, التنمية لا تكون تنمية إلا إذا كانت شاملة لكل المجالات بما فيها الإعلام, بنى ومحتويات. بالوقت ذاته, فالعنصران يسيران معا, وجنبا إلى جنب, بدليل أن الدول المتقدمة صناعيا هي التي يتوفر بها إعلام حر, وشفاف, وغير خاضع لرقابة هذه الجهة أو تلك. أما عن المراهنة على التنمية بمدن إعلامية حرة كما الحال ببعض الدول العربية, فهي مراهنة أثبتت فشلها, لأنك لا تستطيع أن تفرز جغرافيات متقدمة, بفضاء واسع, ملؤه التخلف وتردي الأوضاع. السؤال الرابع: لقد خصصتم لقضية العولمة أكثر من سبعة كتب، تعرضت لمختلف حيثيات هذه القضية، سوف أقتصر على كتابكم الأول (العولمة ورهانات الإعلام) الذي صدر أواخر القرن الماضي، وقد تناولتم فيه "النظام الإعلامي الجديد" في ظل العولمة، فما المراد بهذا المصطلح؟ وما علاقته بمصطلح "النظام العالمي الجديد"؟ ثم كيف تتصورون دور الإعلام في ظل هذه العولمة؟ د.يحيى اليحياوي: أنا اهتممت بالعولمة في سياق بحوثي المتمحورة حول تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, وكيف أن هذه التكنولوجيا أسهمت في تكريس مد العولمة, وشيوعها على نطاق كوني, على خلفية من "انتصار" اقتصاد السوق, وديموقراطية السوق, وثقافة السوق. وتبين لي أنه لم يبق ثمة مجال لم تطأه أقدام فاعلي العولمة, دولا وشركات متعددة الجنسيات. النظام العالمي الجديد, الذي أطلقه الأمريكان بأعقاب إخراج العراق من الكويت, كان سباقا على العولمة, أو لنقل على خطاب العولمة. لكنه كان يمهد لها بأكثر من مستوى, سيما على المستوى الاقتصادي والسياسي بمنطقة الشرق الأوسط وبالعالم أجمع, بالقياس إلى منطوق الخطاب الرسمي الأمريكي. ليس ثمة من رابط كبير بين هذا النظام المأمول, والنظام الإعلامي العالمي الجديد الذي رفعت لواءه دول العالم الثالث, من بين ظهراني اليونسكو بداية سبعينات القرن الماضي. النظام الإعلامي المطالب به كانت الغاية منه, وفق الدافعين به, وضع حد للهيمنة الإعلامية الغربية ولوكالاتها في الأنباء, وكذا لهيمنة الغرب على كل المستجدات التكنولوجية, بأفق بناء علاقات إعلامية أفقية, وليس عمودية كما كانت الدول الكبرى تفضل. النظام الإعلامي العالمي لم يكتب له النجاح, على اعتبار معارضة بريطانيا والولايات المتحدة, وانسحابهما من اليونسكو احتجاجا على تشبت دول العالم الثالث به, مع ما ترتب عن ذلك من فقدان المنظمة لربع ميزانيتها السنوية. والنظام العالمي الجديد الذي نادى به بوش الأب عقدين فيما بعد, لم يترجم بأرض الواقع, لأنه لم يفرز نظاما متكافئا, بقدر إفرازه لنظام القطب الواحد, المترتب عن انهيار الاتحاد السوفياتي, وتهاوي المنظومة الاشتراكية من خلفه. طبيعة العولمة, المترتبة عن هذه القطائع الجيوستراتيجية والتكنولوجية والمؤسساتية أفرزت, بتحصيل حاصل, قطبا واحدا, يمركز بين يديه كل مكامن القوة الاقتصادية والتجارية والصناعية والتكنولوجية والإعلامية والعسكرية والسياسية وما سواها. وأفرزت بصلب ذلك لا نظاما عالميا, وليس نظاما عالميا (بدليل ترويجه لمنظومة "الفوضى الخلاقة" بالعراق مثلا, وبالشرق الأوسط عموما), وأدت إلى انتكاسة كبرى على المستوى الإعلامي العالمي, حيث عاد التضليل من جديد, والرقابة على وسائل الإعلام, وعدم السماح بحرية التعبير إلا وفق ما تتطلبه "المصالح القومية العليا", وقس على ذلك. المفارقة, أن ما لم تستطع دول العالم الثالث إدراكه مؤسسيا باليونسكو, أدركت جزءا كبيرا منه بفضل ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال, سيما بالفضائيات وبشبكة الإنترنيت. بمعنى أن المعلومات لم تعد اليوم حكرا على جهة, بل باتت مباحة ومتاحة إلى حد بعيد, ولم تعد وكالات الأنباء الغربية هي صاحبة الفضل والسبق, بل أنشئت وكالات بالجنوب أيضا, بأمريكا اللاتينية, بإفريقيا وبغيرها. من ناحية أخرى, فانسياب المعلومات لم يعد عموديا تماما كما كان من قبل, بل أضحى أفقيا بجزء كبير منه, لدول الجنوب إسهام معتبر به, على الأقل على مستوى المضامين, المروج منها بالفضائيات, كما المقتنية للشبكات الإلكترونية. ولك أن ترى مثلا كيف باتت فضائيات عربية مصدر الخبر للعديد من الوكالات الأجنبية, بل وحتى لكبريات القنوات التلفزيونية العالمية. بالمحصلة, أتصور أن التكنولوجيا بقدر ما كسرت العديد من أشكال الاحتكار الإعلامي, فإنها بالآن ذاته بطريقها لتكسير العديد من التصورات والتمثلات, التي كانت إلى حين عهد قريب من قبيل المسلمات. السؤال الخامس: رغم أن الإعلام العربي عامة، والمغربي خاصة، قطع مراحل طويلة منذ ظهوره، فإنه يجد نفسه اليوم أمام إشكالات متعددة، حاولتم من خلال كتابكم (إشكاليات في الإعلام العربي المعاصر) الذي صدر في فبراير 2006، تناول بعض الجوانب الإشكالية التي يتخبط فيها، فما هي حصيلتكم من هذا التناول؟ د.يحيى اليحياوي: هذا الكتاب هو محاولة لطرح وتفكيك العديد من القضايا الكبرى, التي تعتمل بداخل "الفضاء" الإعلامي العربي, أو التي لم يحسم بشأنها بعد, على الرغم من التراكم النسبي الذي حققه هذا الفضاء, منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي تحديدا. أزعم أن ثمة أربع قضايا كبرى, لم ينجح الإعلام العربي عموما, إلا نسبيا في تناولها, أو حسم موقفه بإزائها: الأولى تتعلق بإشكالية الهوية. بهذه الإشكالية, تساءلت عن جهة انتماء معظم وسائل الإعلام العربية, بالقياس إلى السلطة السياسية وسلطة رأس المال الضاغط, أو ما يسمى بالغرب بلوبيات الإعلام. أتصور بهذه النقطة أن الإعلام العربي, بكل أشكاله وروافده المكتوبة والمسموعة والمرئية, هو بالعديد من الحالات, جزء من السلطة, ولا سلطة له بالتالي, إن نحن أخذنا بالاعتبار أطروحة السلطة الرابعة. هو جزء من بنيان لا بنيانا قائما. من هنا, فإن هوية الإعلام العربي لا تتحدد إلا بالاحتكام لهويات أخرى. وخلصت للقول بأن هذا الإعلام سيبقى بأزمة حقيقية, طالما لم يستنبت لذاته هوية خاصة به, يدفع بها بالشكل والمضمون, في أفق تشكيل رأي مضاد, إذا لم يكن بوجه السلط الثلاث المعروفة, فعلى الأقل بوجه السلطة التنفيذية, بوجه الحكومات بالمحصلة. الإشكالية الثانية, ترتبط بوظيفة الإعلام العربي وبدوره. هل المفروض أن يكون هذا الإعلام عاكسا أمينا لما يعتمل بواقع الحال, أم المفروض أن يعمل على تغيير ذات البين من بين ظهرانيه, على اعتبار قدرته ونجاعته على بلوغ ما لا يمكن للأحزاب أو النقابات أو الجمعيات أن تبلغه, وهو الجماهير الواسعة من المستمعين والمشاهدين؟ بهذه الإشكالية, لا زلت أتصور بأن من وظائف الإعلام أن يعكس ما يروج بأرض الواقع, أن يكون مرآة لما يعتمل داخل المجتمع من وقائع وأحداث وقضايا, أن يعكس بالصوت والصورة حقيقة ما يجري دون رتوشات أو مواد تجميل. بالآن ذاته, فالمفروض في ذات الإعلام أن يكون أداة للتغيير والتحول والانتقال للأفضل, إذا لم يكن عبر فضحه للسلوكات الشائنة والغير قانونية, فعلى الأقل باستنبات قوة معارضة حقيقية في ترهل الأحزاب, وانفراط عقد النقابات, وأدوات التأطير الأخرى. بمحصلة هذه الإشكالية, تبين لي أن الإعلام العربي بمعظمه, لم ينجح لا في هذه الوظيفة ولا في تلك, بل بقي رهينا لأزمة الهوية الملازمة له, يدور بفلك السلطة, ويجامل لوبيات المال والإشهار وغيرها. بالإشكالية الثالثة, إشكالية المصداقية, حاولت أن أبين كيف أن معظم وسائل وأدوات الإعلام العربي تفتقد عنصر المصداقية, وتتعامل مع المعطيات بحذر, وفي العديد من الحالات بمنسوب مرتفع من الكذب والتضليل, إما لتغطية سلوك, أو للتستر على ممارسة. والنماذج بهذا الجانب كثيرة, لا مجال لسوقها بهذا المقام. إن تدني نسبة البرامج المباشرة, والإكثار من المواد "الترفيهية", وتغييب الأبعاد الثقافية والفنية الجادة, في العديد من المنابر الإعلامية العربية, وابتعاد هذه الأخيرة عن النبش في سلوك النخب الحاكمة, أو اللوبيات الاقتصادية الفاسدة الدائرة بفلكها, كل هذا يشي بأن المواطن العربي لم ولا يثق كثيرا في هذا الإعلام, ويتبرم عنه لفائدة بعض من الإعلام الغربي, الذي يغطي بعض الجوانب المتغافل عنها. المصداقية هنا موضوعة على المحك, ليس فقط لأن وظيفة هذا الإعلام محددة سلفا, بل وأيضا لأن ذات الإعلام مرتهن في هويته, في دوره وفي ماهيته بالنهاية. أما الإشكالية الرابعة, فقد تناولت فيها تذبذب هذا الإعلام, سيما الإعلام المرئي والمسموع, وارتكانه بزاوية أداء هجين, يمزج بين الفصحى والعامية, لدرجة لا يدري المرء هل هو بإزاء لغة أم لهجة, أم بإزاء خليط بينهما, هجين ومقزز. العبرة هنا, يقول الثاوون خلف هذه المنابر, ببلوغ الرسالة, كائنة ما تكن الأداة لتبليغها. لكن مكمن الخطر قائم هنا أيضا بجهة التوجه بجهة طمس معالم اللغة العربية, وتعويضها بلهجات لا تعبر بالمطلق عن "سياسة القرب", التي يدعيها هؤلاء. لا يقتصر الأمر على هذه الثنائية, بل يتعداه ببعض الدول إلى درجات تلجأ العديد من المنابر للغات الأجنبية في بثها لمواطنيها, كما لو أن واقع حالهم يقول بعدم وجود مواطن يتكلم لغته. هذه مفارقة خطيرة للغاية. هذه مجموعة قضايا بالإمكان التدليل عليها بحالات عديدة بمشرق الوطن العربي ومغربه. وبالمغرب, مادام أن جزءا من السؤال يهم المغرب, لك أن ترى كيف بات عليه حال الإعلام المغربي, وكيف باتت الرداءة سمته الأبرز, على الرغم من الإيهام بالإصلاح هنا وهناك. السؤال السادس: أصبح الإنترنت يشغل حيزا عظيما في حياة الإنسان المعاصر، ولعله سوف يهيمن مستقبلا على باقي وسائط الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة وغيرها، ليس لأنه أنجع منها، وإنما لأنه تمكن من استيعاب واشتمال أغلب تلك الوسائط، حيث صار باستطاعة قارىء الإنترنت، من خلال شاشة حاسوبه أن يقرأ الجريدة، ويستمع إلى المذياع، ويشاهد التلفاز، ويتحدث مع الغير، ويتسوق... وما إلى ذلك من الخدمات، وما دام أنه سبق لكم وأن تطرقتم إلى موضوعة الإنترنت في كتابكم (الإنترنت ومجتمع الإعلام: مدخل إلى شبكات المعرفة) الذي صدر عام 2001، فماذا تعنون بمفهوم مجتمع الإعلام؟ وكيف تقدرون هذه الهيمنة التي بدأ يمارسها الإنترنت ضمن هذا المجتمع خاصة، أو داخل المجتمع الإنساني عامة؟ د.يحيى اليحياوي: الإنترنيت ملتقى عوالم الكلمة والصوت والصورة مجتمعين. بالسابق, كان كل مجال من هذه العوالم يشتغل باستقلالية عن الباقين, وكانت التقنية التشابهية تحول دون التقارب فيما بينهم. حتى المهن المرتبطة بكل عالم كانت حصرا وحكرا عليه, ولم يكن بمستطاع مهندس الاتصالات أن يلج عالم التلفزة مثلا, أو عالم المعلوماتية, ولم يكن بمقدور تقنيي التلفزة أن يشتغلوا بنجاعة بعالم الاتصالات أو المعلوماتية وهكذا. ببداية ثمانينات القرن الماضي, مكنت تقنيات الرقمنة والضغط, من خلق لغة مشتركة لكل هذه العوالم عبارة عن سلسلات لامتناهية من الأصفار والآحاد, تستوظف ألغوريتمات جديدة, لضغط وتمرير ثم استعادة المعلومات. الميزة الكبرى تتمثل هنا في ربح السعة وفي الدقة, وفي السبل الجديدة لتقارب هذه العوالم, ثم اندماجها في المتعدد الأقطاب, ثم في الإنترنيت بأجياله المختلفة, فيما بعد. اصطلاح مجتمع المعرفة, الذي واكب هذه الطفرة, جاء استتباعا لاصطلاحات أخرى, ذات خلفية تقنية وأدواتية صرفة, من قبيل المجتمع الشبكي, والمجتمع الافتراضي والمجتمع العنكبوتي, وما سواها. وهو يعبر عن الانتقال التدريجي من مجتمعات المادة الصرف, المرتكزة على الموارد المادية الخالصة, إلى مجتمعات عصبها الأساس, إنتاج وإعادة إنتاج واستغلال وتخزين واسترجاع واستهلاك المعلومات والبيانات والمعطيات وما سواها. من جهة أخرى, فالاصطلاح يعبر عن واقع أن الذي يجر وتيرة النمو والتنمية الاقتصادية لم يعد الموارد الأولية ولا العضلات البشرية, بل مدى القدرة على إنتاج المعلومات وتداولها, ومدى القابلية في الرهان على الكفاءات والبحث العلمي والإبداع التكنولوجي والعمل الشبكي والتنظيم الهرمي وهكذا. ليس المقصود بالمعرفة, في هذا الاصطلاح, بعدها السوسيولوجي أو الأنتروبولوجي, كما يذهب إلى ذلك العديد من الباحثين العرب, المقصود بها جانب المعرفة كمدخل من مداخل العملية الإنتاجية والتنافسية, بواقع اقتصاد سوق الغلبة فيه لمن يتموقع بالتخصص الأفضل, والناجع والضامن للصمود والاستمرار. بالتالي, فمجتمع المعرفة المتحدث عنه هو من طابقين متكاملين, لدرجة التماهي: شبكات الكترونية عالية السعة, تفاعلية, آنية في التجاوب, مرنة, قادرة على التأقلم والتكيف مع المحيط القائم من جهة, ومن جهة أخرى, مضامين معتبرة, تمتطي هذه الشبكات, لضمان سريان فعال, من شأنه الرفع من قدرات المؤسسات وتنافسية المقاولات, ناهيك عن التواصل التقليدي العادي, كما الحال بالبريد الإلكتروني وغيره. بهذه الجزئية, فإن اصطلاح مجتمع المعرفة يلتقي مع اصطلاح مجتمع المعلومات أو المجتمع المعلوماتي, لكنه يتعداه لأن الأول يطاول المجتمع والثقافة عندما يختمر ويتم تملكه من لدن الأفراد والجماعات. إنه يختزل الثقافة والمجتمع, وبهذا الإطار فأنا أتفق معك في استخدامك لعبارة الهيمنة. المفارقة, بوطننا العربي, أننا لم نلج بعد المجتمع الصناعي, وهناك ضمننا من يتحدث عن مجتمع المعلومات والمعرفة, ناهيك عمن يتحدث عن الحداثة وما بعد الحداثة. إن هؤلاء يثيرون الشفقة, ويعبرون عن استيلابهم السيميائي الأعمى. السؤال السابع: يبدو أن الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة تحاول الاستفادة من الثورة الرقمية العارمة، التي يشهدها العالم برمته، حيث بدأت تنخرط بمعارفها وإنجازاتها وإسهاماتها في عالم الإنترنت، غير أن هذا الانخراط يفتقد إلى أسباب العقلانية والاحترافية والتنسيق، مما يجعل أغلب الإسهامات الرقمية ذات طابع شخصي أو جمعوي، قلما تحظى بدعم الدولة ورعايتها، كيف تقيمون حضور دول العالم العربي وشمال أفريقيا عبر الإعلام الرقمي بالمقارنة مع التكتلات المعرفية العالمية الأخرى؟ د.يحيى اليحياوي: حضور العالم العربي في الفضاء الرقمي, حضور متدن للغاية بالاعتماد على العديد من المؤشرات المتداولة عالميا, من قبيل عدد المرتبطين بشبكة الإنترنيت, وعدد مزودي الخدمات, وعدد الخدومات المستعملة, ونسب تواجد اللغة العربية على الويب, وما سواها. المعطيات متوفرة, وقد أفردت لها كتاب "العرب وشبكات المعرفة" أصدرته بدار الطليعة في العام الماضي, العام 2007. قد لا يعدم المرء الأسباب لتفسير ذلك, إذ حالة الشبكات الالكترونية بالعديد من الدول العربية متواضعة للغاية, ونسبة الأمية منتشرة بكثافة, وسيادة الشفوي لا تزال قائمة, والتعامل مع المستجدات التكنولوجية لا يزال يثير بعضا من الريبة والحذر, ناهيك عن تدني مستويات البحث العلمي, وغياب التنسيق عبر الشبكات فيما بين الباحثين, وتبرم الدولة عن دعم المبادرات الهادفة, لترويج استخدام هذه الشبكات. بجهة العمل المؤسساتي, يبدو لي بالمعطيات الإحصائية, أن العرب "الرسميون" لا يولون كبير اهتمام للشبكة, بدليل عدم اكتراثهم بالمطالبات من أجل ترقين ورقمنة العديد من أمهات الكتب, وإتاحتها بالشبكة مجانا, أو مقابل رسوم رمزية, أو بأدنى الحالات ضمان رواجها بين المكتبات, وتوفيرها للطلبة الباحثين بالجامعات ومراكز البحوث المتوفرة. قد يكون الإشكال هنا إشكالا قوميا, أي على مستوى الوطن الواحد, الذي قد يتذرع بضعف الإمكانات وقلة الموارد, وهذا قد يتفهمه المرء, لكن الإشكال الكبير هو إشكال تنسيق فيما بين الدول العربية, أي بين تلك التي تمتلك الموارد ولا كفاءات بشرية لديها (كما الحال بالخليج), وبين من لديها الموارد البشرية (كالمغرب ومصر) ولا موارد لها كبيرة بهذا الجانب. ثمة مجالات واسعة "لغزو" الفضاء الرقمي, لكن ذلك يبقى دائما رهينا بقرار سياسي قد يأتي وقد لا يأتي, والمرجح أنه لن يأتي إلا بعد فوات الأوان. السؤال الثامن: لقد تناولتم الإعلام في الوطن العربي وشمال أفريقيا في أكثر من كتاب وبحث وندوة، وغالبا ما كان يتمحور كلامكم حول إشكالات تعتري هذا الإعلام، وتحديات تقف في وجهه، واحتكار يصدر مما هو فوقي، ومحن تحاصره، وغير ذلك! هل معنى هذا أن الإعلام العربي في أزمة؟ إن كان الأمر كذلك، فكيف تشخصون هذه الأزمة؟ د.يحيى اليحياوي: عبارة شمال إفريقيا التي تتردد بأسئلتك تزعجني للغاية. الثقافة العربية/الإسلامية (وضمنها المكون الأمازيغي الأساس) لا تتحدد بجغرافيا محددة أو بإطار فضائي معين. هي تمثل يتجاوز على الأفراد والجماعات, لكنه غير محصور بحدود ترابية, وإلا لما كان معنى لعبارة الثقافة العربية والإسلامية الواردة بالسؤال. من جهة أخرى, فأنا أتصور أن الإعلام العربي هو حقا وحقيقة في أزمة من حاله ومن مآله, وقد تحدثت عن الأضلع الأربعة لهذه الأزمة. قد يكون صحيحا أن هذا الإعلام يواكب المستجدات التكنولوجية ويحاول الإفادة منها, لكنه يختزل الإشكالية, كل الإشكالية في هذا الجانب, أي أنه بمجرد اقتنائه لآخر ما يتوفر بالسوق, يعتقد أن الأمر حسم, في حين أن جوهر الأمر يكمن في طبيعة وأحجام ما ستمرره عبر هذه المستجدات. بمعنى أنه بالإمكان استيراد أعتى ما يتوفر من تقنيات رقمية في البث والإرسال, لكنك لا تستطيع تصميم وصناعة مضامين جيدة, بالإمكان تمريرها عبر هذه التقنيات. بهذه الحالة, تبقى هذه الأخيرة بانفصام تام مع ما يمرر, وهو بغالبه تفاهات, لا يقاس عليها بالمرة. إن إدماج ما استجد من تكنولوجيا ضروري وأساس, لكنه غير كاف إذا لم يستكمل بصناعات للمضامين والمحتويات, تؤثث هذه الأعتدة وتزرع فيها الروح, وتجعل المواطن/المستهلك يتمتع بدقة الصورة وبجمالية وفائدة المضمون في الآن معا. معنى هذا, أن الرهان يجب أن يكون على إنتاج المضامين, قبل التفكير في اقتناء المستجدات التكنولوجية, بدليل أن الإبداع كان دائما متواجدا, حتى بتواضع الأعتدة الحاملة له, على المسرح أو بالسينما أو بالتلفزة بدون ألوان وتفاعلية وهكذا. صحيح أن لا بديل اليوم عن اقتحام مجال الرقمنة في البث والإرسال وحفظ المادة, لكن ذلك لا يكفي لإنتاج مضامين جادة, تستهوي المشاهد والمستمع, وتستنفر ملكة التفاعلية من بين ظهرانيه مع هذا البرنامج أو ذاك. مرة أخرى أقول: إن رهان الإعلام العربي على المستجدات التكنولوجية غير كاف, طالما لم يواكب بمجهود حقيقي وصادق, بجهة إنتاج برامج ومحتويات ومضامين بالمستوى المطلوب, تعيد له بعضا من المصداقية والاعتبار. السؤال التاسع: ما هي البدائل الممكنة حتى يخرج الإعلام العربي من عنق الزجاجة، ليمارس مهامه المختلفة في حرية قانونية، واستقلالية تامة عن وصاية القبيلة أو الدولة أو الغرب؟ د.يحيى اليحياوي: أتصور أن التشخيص الذي قدمت لبعض من عناصره أعلاه قد يكون مدخلا لنقاش من أجل تجاوز واقع الحال, باعتبار التشخيص نصف الحل أو أكثر. يبقى جانب الإشكالية معلق بجهة توفر من عدم توفر القابلية على تدارك الموقف, ليس من لدن المستوى السياسي فحسب, بل أيضا من لدن الفاعلين الإعلاميين الذين قبلوا العيش بدون هوية, وتعايشوا مع أداء بدون مصداقية. [1] أجرى الحوار رئيس تحرير المجلة العلمية لجامعة لاهاي العالمية للصحافة والإعلام، د. التجاني بولعوالي. * المصدر: المجلة العلمية لجامعة لاهاي العالمية للصحافة والإعلام، العدد الأول، 2009 |