التوقع بانقراض ما هو ورقي مجرد أضغاث أحلام!

 

حوار مع التجاني بولعوالي

خاص بجريدة روافد الثقافية المغربية

أجرى الحوار الإعلامي محمد الصبان

 

- ما الذي أضافه الإعلام الرقمي للثقافة العربية؟

في الحقيقة، أن الإعلام الرقمي أو التجربة الرقمية عامة، لم تقتصر على إضافة جانب ما أو ملمح ما إلى الثقافة العربية أو الإسلامية أو حتى العالمية، بقدرما خلخلت هذه الثقافة وثورتها في كل مناحيها واتجاهاتها ومكوناتها، مما مكنها من ولوج مرحلة جديدة، هي المرحلة الرقمية أو (الإنترنيتية)، على هذا الأساس، نستطيع أن نتحدث عن إضافة ذات بعدين، أولهما جذري حيث أن التحول الذي اعترى الثقافة لم يتم على الصعيد الشكلي العام، وإنما توغل إلى الجانب التأسيسي أو التكويني لها، فنشأت معايير جديدة ومفاهيم مغايرة لما هو سائد في الثقافة التقليدية، في زمن قياسي، يمكن تحديده في أقل من عقدين، لذلك نجد أن العديد من القيم والمصطلحات القديمة، منها ما تغير جزئيا أو كليا، ومنها ما اكتسب حمولات دلالية جديدة، كالتواصل والتسويق والكتابة والتنافس والدراسة وغيرها.

أما البعد الثاني فشمولي، حيث أن التجربة الرقمية امتدت إلى كل جوانب الحياة والثقافة، دون أن تستثني أي جانب أو منحى، بل وأصبحت الحياة في شتى تجلياتها ومكوناتها ونشاطاتها لا تقدم ولا تؤدى إلا في صورة رقمية، عبر شاشات الحاسوب.

من هذا المنطلق، يبدو أن الثقافة العربية خاصة تشهد تحولا جذريا وشموليا، بحكم الثورة الرقمية وآثارها المختلفة، لذلك فإن هذه الثورة العلمية الجديدة لم تأت لتقتصر على الإضافة النسبية، كما كنا نعهد في القرن الماضي مع مختلف التحولات التكنولوجية والثقافية والإعلامية والسياسية، وإنما جاءت لتثور هذه الثقافة، وتنقلها من مرحلة تقليدية موسومة بالتقوقع والانزواء، إلى مرحلة تجديدية أكثر انفتاحا على مكاسب ومنجزات الحضارات الأخرى، وهذا ما راح يلوح في أفق الثقافة العربية، غير أن ما يؤاخذ على هذا التحول أنه يتم بكيفية عشوائية وغير ممنهجة، حيث أن العديد من الإسهامات العربية الرقمية تتم بطريقة شخصية تطوعية، أو تقدم من قبل جمعيات ومنظمات تفتقد التمويل الكافي، مما يجعلها تفتقر إلى الاحترافية اللازمة والتنظيم المحكم والبعد الاستراتيجي.

      

- استنادا لتجربتكم في هذا المجال، ماهي عوائق العمل الثقافي الرقمي؟

مما لا ريب فيه، أنه من الناحية المعنوية قد منحت التجربة الرقمية الإنسان/المثقف العربي والمسلم نفسا قويا وروحا جديدة، لا سيما وأنه قبل ظهور هذه التجربة كان يعيش بين سندان الإقصاء ومطرقة الرقابة أو الوصاية! غير أنه عندما ولج عالم الإنترنت بتراثه وثقافته وعطائه، وراح يعرضه بكيفيات متنوعة وميسرة، ليس على أبناء جلدته فحسب، وإنما على الإنسانية جمعاء، طفت على سطح الواقع جملة من العوائق والتحديات، التي من شأنها أن تعرقل العمل الثقافي الرقمي، وأهم هذه العوائق تتحدد في غياب الجانب التمويلي لأغلب المشاريع الرقمية العربية، التي تظل تعتمد على التمويل الذاتي والجهود الشخصية، والتمويل في هذا الصدد لا يقصد به فقط ما تخصصه الدولة من دعم للعمل الرقمي، وهو يكاد ينعدم في معظم دول العالم العربي وشمال أفريقيا، وإنما كذلك الدعم الآتي من مختلف الجهات والموارد المالية، كالإعلان والأبناك والشركات والمصانع والأغنياء والمحسنين وغير ذلك، ومرد ذلك إلى غياب النظرة الاستراتيجية لدى هؤلاء، التي ترى مستقبل الأمة في تأهيل مختلف المشاريع التعليمية والإعلامية والفكرية والاجتماعية، التي بإمكانها زرع الوعي اللازم لدى المواطن بأنه يوجد في عصر، لا يستمر فيه إلا من يملك سلاح المعرفة والفكر والإعلام.

أما إذا بقيت الأمة مسكونة بهاجس الفقراء والمحتاجين، وكيفية إسكات جوعهم أو غضبهم أو شغبهم، حتى تنفلت من غول الفتنة أو العصيان، فإن مستقبلها كما هو حاضرها يظل في يد عفريت! لأنها عوض ما تشرع في تأهيل الشعب تأهيلا يضمن استمراره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فإنها تمنحه الجرعات التي تسكنه مؤقتا.

إن غياب الجانب التمويلي في تضافره مع الوضعية المتردية للشعوب العربية والشمال أفريقية، يشكل العائق الأساس الذي يقف حجر عثرة في أي حركة ثقافية رقمية ناجحة، ما دام هذا النجاح يقتضي حضور الإمكانات المادية، مع الوعي اللازم للبيئة التي تنتج فيها وتقدم لها.    

 

- يلاحظ البعض غياب معايير للنشر، وطغيان العديد من المواد الغثة على المواقع والمدونات الثقافية، مارأيكم في ذلك؟

هذا صحيح، لأن الشبكة العنكبوتية تمنح الفرصة للجميع حتى ينشروا بحرية مطلقة كل ما يريدون نشره، دون وصاية أو وساطة، لكن ينبغي التفريق بين من ينشر أعماله في المدونات والمنتديات والمواقع الصفراء، ومن ينشرها في المجلات الرقمية المتخصصة والمواقع الإلكترونية الجيدة، التي أصبحت تشكل مصادر علمية ثابتة وموثوق بها في الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية، ثم إن طغيان المواد الغثة لا يقتصر على عالم الإنترنت فحسب، فما أكثر الجرائد العربية التي تحوي بين بطونها آلاف النصوص، التي لا تستحق أن تقرأ، وقد تم نشرها على أساس الارتباطات الحزبية والأيديولوجية، أو العلاقات الشخصية.

 

- ألم تؤثر سهولة النشر على قيمة الإبداع، بعدما كان لتشدد الإعلام الورقي دور كبير في تحفيز الكاتب على مراجعة ما يكتبه قبل إرساله إلى هيئة التحرير الصارمة؟

لقد تمت الإشارة سابقا، إلى جانب من هذه القضية، وأضيف أنه لا علاقة للنشر بقيمة الإبداع، فأي نص ينشر في الإعلام الورقي أو الرقمي، لا يعني أنه قيم، إن قيمة النص لا تحدد إلا بفعل القراءة، والنشر هو الذي يتيح هذا الفعل، لذلك فإن حرية النشر التي يطرحها الإنترنت، هي أفضل وسيلة لغربلة ما يكتب ويبدع، حقا أن الباب أصبح مفتوحا على مصراعيه لكل من هب ودب! لكنه في الوقت نفسه أعطيت الفرصة لمئات الأقلام الجيدة التي كانت مغيبة، إما لأنها لم تكن متحزبة، أو لأنها لم تكن تملك الصداقات الكافية، أو لأنها لم تكن تؤمن بالوساطات في النشر.

على هذا الأساس، فإن إمكانية النشر السهلة التي يتيحها عالم الإنترنت، قد تكون سلبية عندما يتسرع الكاتب في نشر كل ما يكتب من غير تنقيح ومراجعة، غير أنه يستطيع إلغاء نصه المنشور أو تصحيحه ونشره من جديد، في حين أنه في النشر الورقي لا يملك هذه الإمكانية، فهو مجبر بالمراجعة المتكررة والتنقيح الإضافي لما يكتب، وإلا فإنه سوف يحكم على تجربته بالفشل أو الرداءة.

  

- كيف تنظرون إلى مستقبل الثقافة والأدب العربي المنشور رقميا؟

في حقيقة الواقع، يبدو أن مستقبل الأدب والثقافة العربية في ظل المنظومة التقليدية، التي ما فتئت تهيمن على الكثير من أنساق الثقافة العربية والإسلامية، يظل محفوفا بالتردي والتقهقر، وذلك نتيجة مختلف الأزمات، كأزمة قراءة الكتاب، وأزمة الكتابة الجيدة، وأزمة توصيل الإنتاج الفكري والثقافي، وأزمة التنظيم الممنهج والعادل لشؤون الثقافة والأدب، وغير ذلك من الأزمات.

بيد أنه ثمة معطى جديدا من شأنه أن يمنح نفسا قويا للأدب والثقافة العربية، فيراهنا على مستقبل ولو مُرضي بشكل ما، وهذا المعطى هو توظيف الشبكة العنكبوتية لخدمة هذا الأدب وتلك الثقافة، ليس نشرا فحسب، وإنما خلقا لأنواع أدبية وثقافية جديدة تستجيب لحاجة القاريء الجديد، وهو قاريء الإنترنت، الذي يختلف كثيرا عن القاريء التقليدي؛ قاريء الكتاب أو قاريء الجريدة، وقد بدأت ملامح كتابة جديدة، يطلق عليها الكتابة التفاعلية، تظهر في أفق الثقافة العربية، إلا أنها تتشكل بوتيرة محتشمة وبطيئة، في حين يشهد عالم الإنترنت والمعلوميات تطورا خارقا، لا يمكن استيعاب مستجداته وإضافاته، فهل الأدب والثقافة العربية مهيآن، لمسايرة ولو بعض جوانب الثورة الإنترنيتية الجديدة، وإن كان الأمر كذلك، فيمكن عندئذ الحديث عن مستقبل ما لهذا الأدب وتلك الثقافة، أما أن تسود الهيمنة للمنظومة التقليدية، التي ترى كتاب الإنترنت الجدد ومثقفيه بمثابة خوارج الثقافة العربية، الذين يشقون عصا طاعتها! فهذا يعني أن التعاطي لعلوم الإنترنت ومعارفه في العالم العربي، يظل رهن الاستخدام الشخصي والهواية، في الوقت الذي يقتضي هذا التعاطي المهنية والحرفية والمؤسسية، حتى ينتقل بالأدب والثقافة إلى نطاق التفاعلية، ليس تعميما ونشرا فحسب، وإنما إبداعا وابتكارا.        

 

-  هل الإعلام الثقافي الرقمي منافس أو مكمل للورقي؟ وما رأيكم في التوقعات التي تتنبأ بانقراض الإعلام الثقافي الورقي؟

في اعتقادي، أن التجربة الرقمية سوف تعمل على تفعيل الإعلام الثقافي الورقي، بمنحه نفسا جديدا يخرجه من شبه الغيبوبة التي تعتري قسماته الشاحبة، فهي لا تنافسه، بقدرما تخدمه، ولا تضيق أفقه، بقدرما توسعه، ومن اللا واقعي أن نتوقع انقراض ما هو ورقي، ونحن نشهد حركة منقطعة النظير لدور النشر والتوزيع والمطابع على الشبكة العنكبوتية.

هكذا فإن التوقع الذي نضعه، هو أن التجربة الرقمية جاءت لتخدم الكتاب والثقافة الورقية، عبر طرح مختلف الإمكانيات التوزيعية والتواصلية، من جهة أولى بين الكاتب والناشر، ومن جهة ثانية بين الكاتب والقاريء، فما أكثر الكتاب الذين أتاح لهم عالم الإنترنت فرصة إيجاد الناشر المناسب لكتبهم ومؤلفاتهم، التي ظلت طوال عقود عبارة عن مسودات ملقاة على رفوف النسيان، وما أكثر القراء الذين أصبحوا يقتنون الكتب المفضلة لديهم عبر الشبكة العنكبوتية، وما أكثر الكتب التي أضحت محط اهتمام ودراسة العديد من المواقع الرقمية... ألا تثبت هذه المعطيات وغيرها أن الإعلام الثقافي الرقمي مكمل أو بالأحرى خادم لما هو ورقي، وأن الحديث عن انقراض الكتاب أو الإعلام الثقافي الورقي مجرد أضغاث أحلام!